فخر الدين الرازي
121
تفسير الرازي
فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وأنطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب . وأما قوله تعالى : * ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) * . فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله ، فإنه أول الآفات وعنوان المخالفات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة : الصفة الأولى : أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم ، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ، وقيل : إنها الكراث . وقيل : إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل : إنها شجرة الشوك . واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه ، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد تكون بحسب الطعم ، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر وقد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة ، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعاً في المطلوب . والصفة الثانية : قوله : * ( اجتثت من فوق الأرض ) * وهذه الصفة في مقابلة قوله : * ( أصلها ثابت ) * ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الإجتثاث أخذ الجثة كلها ، وقوله : * ( من فوق الأرض ) * معناه : ليس لها أصل ولا عرق ، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة . والصفة الثالثة : قوله ما لها من قرار ، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية ، والمعنى أنه ليس لها استقرار . يقال : قر الشيء قراراً كقولك : ثبت ثباتاً ، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت . واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال ، وذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة ، وخالية عن كل المنافع أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله : * ( خبيثة ) * وأما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله : * ( اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ) * والله أعلم . قوله تعالى * ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِى الاَْخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ